الشيخ محمد رشيد رضا
637
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
كما قال الحافظ في الفتح وله ولغيره آثار في هذا المعنى . وروى البخاري وأصحاب السنن إلا أبا داود من حديث عبد اللّه بن عمر قال كانت يمين النبي ( ص ) « لا ومقلب القلوب » وفي رواية له عنه : أكبر ما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يحلف « لا ومقلب القلوب » وفي معناه أحاديث أخرى عند ابن ماجة وغيره وللمفسرين وشراح الأحاديث أغلاط لفظية ومعنوية في تفسير لفظ القلب وفي تقليب اللّه تعالى له . وقد تقدم تفسيره اللفظي من قبل ، ومعنى تقليبه آنفا ، وقولهم ان اللّه خالق القلوب ومقلبها حق وكذا أفعال العباد كلها ، وليس بحق ما عبر به بعضهم عن ذلك بأن اللّه تعالى يمنع الكافر بمحض قدرته عن الايمان وغيره من أفعال الخير مباشرة ، ويخلق في قلبه ولسانه الكفر اعتقادا ونطقا خلقا انفا لا فعل له فيه ، فالجمع بين الآيات التي أوردناها وما في معناها يبطله ويثبت الأسباب الاختيارية ، والقائلون بما ذكر يثبتون قول القدرية ويحتجون به على قول الجبرية ، فهم يؤيدون الفاسد بالفاسد ولا يشعرون ، ويمدهم إخوانهم الصوفية في الغيّ ثم لا يقصرون . * * * بعد هذه الأوامر والنواهي الخاصة باعمال الناس الاختيارية الشخصية ، وما يخشى أن تؤدي إليه مما يحرمهم من الهداية الخصوصية ، بانتهاء الاختياري منها إلى ما يكاد يخرج عن الاختيار ، باضعاف الإرادة واستعبادها للأهواء ، - أمرهم باتقاء نوع من أنواع الفتن الاجتماعية التي تكون تبعة عقوبتها مشتركة بين المصطلي بناره فعلا ، وبين المؤاخذ به لتقصيره في درئه ، وإقراره على فعله ، فقال وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً أي واتقوا وقوع الفتن القومية والملية العامة التي من شأنها أن تقع بين الأمم في التنازع على مصالحها العامة من الملك والسيادة أو التفرق في الدين والشريعة ، والانقسام إلى الأحزاب الدينية كالمذاهب ، والسياسية كالحكم ، فان العقاب على ذنوب الأمم أثر لازم لها في الدنيا قبل الآخرة كما تقدم مرارا ، ولهذا عبر هنا بالفتنة ، دون الذنب والمعصية ، والفتنة البلاء والاختبار كما تقدم بيانه مرارا . روى أحمد والبزار وابن المنذر وابن مردويه عن مطرف قال قلنا للزبير يا أبا عبد اللّه ضيعتم الخليفة حتى قتل ثم جئتم تطلبون بدمه ؟ فقال إنا قرأنا